الشيخ محمد هادي معرفة
365
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وإنّما قيل : « لَقَدْ جِئْتُمْ » وهو خطاب للحاضر ، بعد قوله : « وَقالُوا . . . » وهو خطاب للغائب ، لفائدة لطيفة ، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجرأة على اللّه سبحانه ، والتعرّض لسخطه ، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه ، كأنّه يخاطب قوما حاضرين بين يديه صاغرين منكرا عليهم وموبّخا لهم . ومن هذا الباب قوله تعالى : « أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » . « 1 » فبدأ بالغيبة « أَ لَمْ يَرَوْا . . . » وختم بالخطاب « نُمَكِّنْ لَكُمْ » . قيل : لنكتة هي : حثّ السامع وبعثه على الاستماع . حيث أقبل المتكلّم عليه ، وأعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة . ومنه أيضا قوله تعالى : « وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً . إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً » . « 2 » فهو تشريفٌ لمقامهم بالحضور لديه ، وتفخيمٌ لشأنهم . ومنه : « إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ » . « 3 » وهذا الالتفات هنا كان لأجل تخصيص الحكم بشخصه صلى الله عليه وآله ، فلا يعمّ المسلمين ، فيما لو توهَّم متوهِّم أَنّ ذكره كان للتمثيل لا للتخصيص . وهذا نظير ما قالوه بشأن آية الإسراء « 4 » من أنّ الوجه في العدول من الغيبة إلى خطاب النفس كان لتخصيص القدرة ، وأنّه غير مستطاع لغيره تعالى ، وهكذا هنا ، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي صلى الله عليه وآله دون غيره . وممّا جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » . « 5 » فقال أولًا : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى » بلفظ الواحد ، ثمّ قال : « الَّذِي بارَكْنا » بلفظ الجمع ،
--> ( 1 ) - الأنعام 6 : 6 . ( 2 ) - الإنسان 21 : 76 - 22 . ( 3 ) - الأحزاب 50 : 33 . ( 4 ) - قوله : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ - إلى قوله - لِنُرِيَهُ . . . » انتقالًا من الغيبة إلى التكلّم عن النفس . ( 5 ) - الإسراء 1 : 17 .